فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من لطائف وفوائد المفسرين:

قال السبكي:
قال رحِمهُ اللّهُ قوله تعالى: {وجاء فِرْعوْنُ ومنْ قبْلهُ والْمُؤْتفِكاتُ بِالْخاطِئةِ فعصوْا رسُول ربِّهِمْ} شاهِدٌ لِأنّ الْمُفْرد الْمُضاف لِلْعُمُومِ لِأنّ الظّاهِر أنّ الْمُراد بِالرّسُولِ مُوسى عليه السلام الْمُرْسلُ إلى فِرْعوْن، ولفْظُ الْمُرْسلِ إلى الْمُؤْتفِكاتِ ويدْخُلُ أيْضا هارُونُ ويُوسُفُ وإِنْ كان قبْلهُ انْتهى. واللّهُ أعْلمُ. اهـ.

.تفسير الآيات (13- 18):

قوله تعالى: {فإِذا نُفِخ فِي الصُّورِ نفْخةٌ واحِدةٌ (13) وحُمِلتِ الْأرْضُ والْجِبالُ فدُكّتا دكّة واحِدة (14) فيوْمئِذٍ وقعتِ الْواقِعةُ (15) وانْشقّتِ السّماءُ فهِي يوْمئِذٍ واهِيةٌ (16) والْملكُ على أرْجائِها ويحْمِلُ عرْش ربِّك فوْقهُمْ يوْمئِذٍ ثمانِيةٌ (17) يوْمئِذٍ تُعْرضُون لا تخْفى مِنْكُمْ خافِيةٌ (18)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما ذكر القيامة وهول أمرها بالتعبير بالحاقة وغيرها، ودل على قدرته عليها وعلى حكمته بقصص من ذكر على الوجه الذي مر إلى أن ختم بالذين كانت قصتهم أشبه تلك القصص بالقيامة من حيث أن أمر الله فيها عم أهل الأرض وفي زمن يسير، وكان الناجون منها بالنسبة إلى المهلكين كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، سبب عن جميع ما مضى قوله شرحا لأمرها: {فإذا نفخ} وبنى الفعل للمجهول دلالة على هوان ذلك عليه وأنه ما تأثر عنه لا يتوقف على نافخ معين بل من أقامه من جنده لذلك تأثر عنه ما يريده وذكره وإن كان المسند إليه مؤنثا للفصل ولكونه غير حقيقي التأنيث وللدلالة على قوة النفخ {في الصور} أي القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام كأنه عبر عنه به دون القرن مثلا لأنه يتأثر عنه تارة إعدام الصورة وتارة إيجادها وردها إلى أشكالها سعة فمه كما بين السماء والأرض، وأسند الفعل إلى المصدر ليفيده بادئ بدء لا ليؤكده وإن كان التأكيد يفهم منه وهو غير مقصود بالذات فقال: {نفخة} ولما دل بالفعلة على الواحدة، أكده دلالة على عظيم قدرته وحقارة الأشياء عنده بقوله: {واحدة} أي فهلك الخلائق كلهم، هكذا قالوا إن هذه النفخة هي الأولى، قالوا: وعندها خراب العالم، وظاهر السياق أنها الثانية التي بها البعث، وخراب ما ذكر بعد قيامهم أنسب لأنه لهم أهيب، وكونها الثانية إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ولما ذكر التأثير في الإحياء، أتبعه التأثير في الجمادات، وبدأ بالسفليات لملابستها للإنسان فتكون عبرته بها أكثر فقال: {وحملت} أي بمجرد القدرة {الأرض} أي المنبسطة ورجت رجا {والجبال} أي التي بها ثباتها فرفعت من أماكنها، وبستا بسا فكانت هباء منبثا، لم يبق فيهما حجر ولا كدية.
ولما أريد قوة الدك والإبلاغ في تأثيره، جعل الجبال شيئا واحدا فقال: {فدكتا} أي مسحت الجملتان الأرض وأوتادها وبسطتا ودق بعضها ببعض {دكة واحدة} أي فصارتا كثيبا مهيلا وسويتا بأيسر أمر فلم يميز شيء منهما من الآخر، بل صارا في غاية الاستواء، من قولهم: ناقة دكاء، أي لا سنام لها.
وأرض دكاء، أي متسعة مستوية، قالوا: والدك والدق- أخوان، والدك أبلغ، قال أبو حيان: والدك فيه تفرق الأجزاء، والدق فيه اختلاط الأجزاء.
ولما ذكر نفخ الصور سبب عنه قوله: {فيومئذ} أي إذا دكتا وهي بدل من (إذ) كرر لطول الفصل وأفاد تهويلا لها وتعظيما، ونصب الظرف بقوله: {وقعت الواقعة} أي التي وقع الوعد والوعيد بها، فكانت كأنها شيء ثقيل جدا ليس له ممسك.
فما له من ذاته غير السقوط، وهي القيامة والحاقة والقارعة، نوع أسماءها تهويلا لها أي قامت القيامة، وكان المراد بها النفخة الثانية.
ولما ذكر تأثير العالم السفلي ذكر العلوي فقال: {وانشقت السماء} أي هذا الجنس لشدة ذلك اليوم، ولما كان الشيء لا ينشق إلا لخلل فيه، سبب عنه قوله تحقيقا لذلك.
{فهي يومئذ} أي إذا وقعت الواقعة {واهية} أي ضعيفة متساقطة خفيفة لا تتماسك.
ولما كانت العادة جارية فيما يعرف أن الملك يظهر أنواعا من عظمته يوم عرض الجند، قال معرفا لنا بنحو ما ألفناه: {والملك} أي هذا النوع الذي يصدق على الواحد فما فوقه، والجمع لا يصدق على ما دون الجمع فهذا أشمل {على أرجائها} أي نواحي السماء وأطرافها وحواشي ما لم يتشقق منها، قال الضحاك: يكونون بها حتى يأمرهم الله فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها- انتهى.
وقيل: أرجاء الأرض واحدها رجا، مقصور، والاثنان رجوان، فيحيطون بالجن والإنس فيحشرونهم حشر الصيد لإرادة أخذه.
ولما كان الملك يظهر يوم العرض سرير ملكه ومحل عزه قال: {ويحمل عرش} ولما كان هذا أمرا هائلا مقطعا للقلوب، قال مؤنسا للمنزل عليه هذا الذكر مؤمنا له من كل ما يحذر: {ربك} أي المحسن إليك بكل ما يريده لاسيما في ذلك اليوم بما يظهر من رفعتك.
ولما كان العرش عاما لجهة الفوق كلها، أسقط الجار فقال: {فوقهم} أي فوق رؤوسهم {يومئذ} أي يوم إذ وقعت الواقعة بعدد ما كان تحته من السماوات السبع والكرسي {ثمانية} أي من الملائكة أشخاص أو صفوف يؤيد حملته الأربعة في الدنيا بأربعة أخرى لشدة ذلك اليوم وثقله، وهو في حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأبو يعلى والبغوي عن العباس بن عبد المطلب- رضى الله عنه ـ، فظاهره أنهم أشخاص ولفظه: «ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض» وظاهر ذلك أنهم في الدنيا، وكونهم في الدنيا أربعة فقط ذكره المفسرون ورواه الطبراني من طريق ابن إسحاق، قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة آخرين» وهو مذكور في حديث الصور الطويل الذي يرويه أبو يعلى وغيره من طريق إسماعيل بن رافع عن يزيد بن زياد عن القرطبي عن رجل عن أبي هريرة-رضي الله عنه- وهذا العدد يحتمل أن يراد به أهل السماوات السبع والكرسي فتلك ثمانية، وهم خلق لا يحصيهم إلا الله سبحانه وتعالى، وهو أوفق لإظهار العظمة، ويمكن أن يراد بهم ثمانية أفراد ويكون حملهم له أظهر في العظمة ليعلم كل من يرى ذلك أن مثلهم لا يقدر على حمل مثله في عظمته وإحاطته، وهذا هو أظهر المعاني من الأحاديث الواردة فيه، واختيار هذا العدد أوفق للوجه الذي قبله لأنه يزيد على العدد الموضوع للمبالغة- وهو السبع- بواحدة إشارة إلى أنه أبلغ من عدة المبالغة لأنه إشارة إلى أنك كلما بالغت زاد الأمر على مبالغتك بما هو أول العدد، وذلك إشارة إلى عدم الانتهاء والوقوف عند حد، وإلى ذلك يشير أيضا أن للثمانية من الكسور النصف والربع والثمن، وذلك سبعة، والسبعة عدد جامع لجميع أنواع العدد الفرد والزوج وزوج الزوج وزوج الفرد، وكل ذلك إشارة إلى المبالغة في إظهار العظمة والكبرياء والعزة وتمثيل لنا بما نعرف من أحوال الملوك وإلا:
فالأمر أعظم من مقالة قائل ** إن رقق البلغاء أو إن فخموا

إعلاما بعظمة ذلك اليوم ليخشى العباد فيلزموا أسباب الإسعاد، وهذا الذي قلته من سر السبعة قد ذكره الإمام بدر الدين بن الدماميني قرين شيوخنا في الكلام على الواو من حاشيته على مغني ابن هشام عن تفسير العماد الكندي قاضي الإسكندرية المسمى الكفيل بمعاني التنزيل فقال: ونقل الأستاذ عبد الله الكفيف المالقي أنها لغة فصيحة لبعض العرب أن يقول: واحد اثنين ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة- هكذا لغتهم، ومتى جاء في كلامهم لفظ الثمانية أدخلوا الواو وقد نظم بعض أصحابنا في كون السبعة منتهى العدد أبياتا وهي:
يا سائلي عن سر كون العدد ** غايته في سبعة لم تزد

ما سره إلا انحصار قسيمه ** في واحد فرد وشيء مسند

وذلك الشيء الذي تسنده ** منحصر في واحد وأزيد

فالفرد والفرد إذا ما اجتمعا ** زوج مع الفرد الذي لم يسند

واثنان واثنان إذا ما اجتمعت ** أربعة تضم مع فيء اليد

فتلك سبعة إذا تكاملت ** أربعة واثنان مع منفرد

وما أتى من بعد هذا فهو تك ** رار له لا زائد في العدد

ثلاثة مع مثلها فرد وفر ** د قد مضى وما مضى لا يعدد

وهكذا أربعة مع مثلها ** زوج وزوج قد مضى لا تزد

وقال الإمام محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في مقدمة كتابه الملل والنحل: أكثر أصحاب العدد على أن الواحد لا يدخل في العدد، فالعدد مصدره الأول الاثنان، وهو ينقسم إلى زوج وفرد، فالفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة، وما وراء الأربعة مكرر كالخمسة فإنها مركبة من فرد وزوج، ويسمى العدد الدائر، والستة مركبة من فردين، ويسمى العدد التام، والسبعة مركبة من فرد وزوج، وتسمى العدد الكامل، والثمانية مركبة من زوجين وهي بداية الأخرى فصدر الحساب في مقابلة الواحد الذي هو علة العدد وليس يدخل فيه، ولذلك هو فرد لا أخ له.
ولما كان العدد مصدره من اثنين صار منهما المحقق محصورا في قسمين، ولما كان العدد منقسما إلى فرد وزوج، صار من ذلك الأصل محصورا في سبعة، فإن الفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة، وهي النهاية، وما عداها مركب منها، وكان البسائط عامة الكلية في العدد واحد واثنان وثلاثة وأربعة وهي الكمال، وما زاد عليها من المركب الكلي فمركبات كلها ولا حصر لها، وقال أبو الحكم ابن برجان في تفسير سورة القدر: انتهاء العدد ستة والسابع وترها.
ولما بلغ النهاية في تحذير العباد من يوم التناد، وكان لهم حالتان: خاصة وعامة، فالعامة العرض، والخاصة التقسيم إلى محسن ومسيء، زاده عظما بقوله: {يومئذ} أي إذا كان ما تقدم.
ولما كان المهول نفس العرض، بنى فعله للمفعول ولأنه كلام القادرين فقال: {تعرضون} أي على الله سبحانه وتعالى للحساب كما يعرض السلطان الجند لينظر في أمرهم ليختار منهم المصلح للإكرام والتقريب والإثابة، والمفسد للإبعاد والتعذيب والإصابة، عبر عن الحساب بالعرض الذي هو جزؤه، فالمحسن لا يكون له غير ذلك والمسيء يناقش {لا تخفى منكم} أي في ذلك اليوم على أحد بوجه من الوجوه {لا تخفى منكم} أي في ذلك اليوم على أحد بوجه من الوجوه {خافية} أي لا يقع أصلا على حال من الأحوال شيء من خفاء لشيء كان من حقه الخفاء في الدنيا لا من الأعمال ولا من الأنفس وإن كان في غاية الدقة والغموض لأن ذلك يوم الظهور التام من القبور ومن الصدور، وغير ذلك من الأمور، ليكون ذلك أجل لسعادة من سعد، وأقبح لشقاوة من شقي فأبعد، قال أبو موسى- رضى الله عنه ـ: هي ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعندها تتطاير الصحف فأخذ بيمينه وأخذ بشماله. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

ولما ثبت ذلك شرع سبحانه في تفاصيل أحوال القيامة فذكر أولا مقدماتها.
فقال: {فإِذا نُفِخ فِي الصُّورِ نفْخةٌ واحِدةٌ (13)} وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
قرئ {نفْخةٌ} بالرفع والنصب، وجه الرفع أسند الفعل إليها، وإنما حسن تذكير الفعل للفصل، ووجه النصب أن الفعل مسند إلى الجار والمجرور ثم نصب {نفخة} على المصدر.
المسألة الثانية:
المراد من هذه النفخة الواحدة هي النفخة الأولى لأن عندها يحصل خراب العالم، فإن قيل: لم قال بعد ذلك {يوْمئِذٍ تُعْرضُون} [الحاقة: 18] والعرض إنما يكون عند النفخة الثانية؟ قلنا: جعل اليوم اسما للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان، والصعقة والنشور، والوقوف والحساب، فلذلك قال: {يوْمئِذٍ تُعْرضُون} كما تقول: جئته عام كذا، وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته.
{وحُمِلتِ الْأرْضُ والْجِبالُ فدُكّتا دكّة واحِدة (14)} فيه مسألتان:
المسألة الأولى:
رفعت الأرض والجبال، إما بالزلزلة التي تكون في القيامة، وإما بريح بلغت من قوة عصفها أنها تحمل الأرض والجبال، أو بملك من الملائكة أو بقدرة الله من غير سبب فدكتا، أي فدكت الجملتان جملة {الأرض} وجملة {الجبال}، فضرب بعضها ببعض، حتى تندق وتصير كثيبا مهيلا وهباء منبثا والدك أبلغ من الدق، وقيل: فبسطتا بسطة واحدة فصارتا أرضا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا من قولك: اندك السنام إذا انفرش، وبعير أدك وناقة دكاء ومنه الدكان.
المسألة الثانية:
قال الفراء: لا يجوز في دكة هاهنا إلا النصب لارتفاع الضمير في دكتا، ولم يقل: فدككن لأنه جعل الجبال كالواحدة والأرض كالواحدة، كما قال: {أن السموات والأرض كانتا رتْقا} [الأنبياء: 30] ولم يقل: كن.
{فيوْمئِذٍ وقعتِ الْواقِعةُ (15) وانْشقّتِ السّماءُ فهِي يوْمئِذٍ واهِيةٌ (16)}
أي فيومئذ قامت القيامة الكبرى وانشقت السماء لنزول الملائكة: {فهِى يوْمئِذٍ واهِيةٌ} أي مسترخية ساقطة القوة {كالعهن المنفوش} بعدما كانت محكمة شديدة.
ثم قال تعالى: {والملك على أرْجائِها} وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
قوله: {والملك} لم يرد به ملكا واحدا، بل أراد الجنس والجمع.
المسألة الثانية:
الأرجاء في اللغة النواحي يقال: رجا ورجوان والجمع الأرجاء، ويقال ذلك لحرف البئر وحرف القبر وما أشبه ذلك، والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء، فإن قيل: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى، لقوله: {فصعِق من في السموات ومن في الأرض} [الزمر: 68] فكيف يقال: إنهم يقفون على أرجاء السماء؟ قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أنهم يقفون لحظة على أرجاء السماء ثم يموتون الثاني: أن المراد الذين استثناهم الله في قوله: {إِلاّ من شاء الله} [الزمر: 68].
قوله تعالى: {ويحْمِلُ عرْش ربّك فوْقهُمْ يوْمئِذٍ ثمانية} فيه مسائل:
المسألة الأولى:
هذا العرش هو الذي أراده الله بقوله {الذين يحْمِلُون العرش} [غافر: 7] وقوله: {وترى الملائكة حافّين مِنْ حوْلِ العرش} [الزمر: 75].
المسألة الثانية:
الضمير في قوله: {فوْقهُمُ} إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان الأول: وهو الأقرب أن المراد فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش الثاني: قال مقاتل: يعني أن الحملة يحملون العرش فوق رؤوسهم.
ومجيء الضمير قبل الذكر جائز كقوله: في بيته يؤتي الحكم.
المسألة الثالثة:
نقل عن الحسن رحمه الله أنه قال: لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف أو ثمانية آلاف صف.
واعلم أن حمله على ثمانية أشخاص أولى لوجوه: أحدها: ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فيكونون ثمانية» ويروى: «ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤوسهم وهم مطرقون مسبحون» وقيل: بعضهم على صورة الإنسان. وقيل: بعضهم على صورة الأسد وبعضهم على صورة الثور وبعضهم على صورة النسر، وروي ثمانية أملاك في صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما، وعن شهر بن حوشب أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك الوجه الثاني: في بيان أن الحمل على ثمانية أشخاص أولى من الحمل على ثمانية آلاف وذلك لأن الثمانية أشخاص لابد منهم في صدق اللفظ، ولا حاجة في صدق اللفظ إلى ثمانية آلاف، فحينئذ يكون اللفظ دالا على ثمانية أشخاص، ولا دلالة فيه على ثمانية آلاف فوجب حمله على الأول الوجه الثالث: وهو أن الموضع موضع التعظيم والتهويل فلو كان المراد ثمانية آلاف، أو ثمانية صفوف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل، فحيث لم يذكر ذلك علمنا أنه ليس المراد إلا ثمانية أشخاص.
المسألة الرابعة:
قالت المشبهة: لو لم يكن الله في العرش لكان حمل العرش عبثا عديم الفائدة، ولاسيما وقد تأكد ذلك بقوله تعالى: {يوْمئِذٍ تُعْرضُون} [الحاقة: 18] والعرض إنما يكون لو كان الإله حاصلا في العرش، أجاب أهل التوحيد عنه بأنه لا يمكن أن يكون المراد منه أن الله جالس في العرش وذلك لأن كل من كان حاملا للعرش كان حاملا لكل ما كان في العرش، فلو كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين لله تعالى وذلك محال، لأنه يقتضي احتياج الله إليهم، وأن يكونوا أعظم قدرة من الله تعالى وكل ذلك كفر صريح، فعلمنا أنه لابد فيه من التأويل فنقول: السبب في هذا الكلام هو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه، فخلق لنفسه بيتا يزورونه، وليس أنه يسكنه، تعالى الله عنه وجعل في ركن البيت حجرا هو يمينه في الأرض، إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة ليس لأن النسيان يجوز عليه سبحانه، لكن هذا هو المتعارف فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس إليهم على سرير ووقف الأعوان حوله أحضر الله يوم القيامة عرشا وحضرت الملائكة وحفت به، لا لأنه يقعد عليه أو يحتاج إليه بل لمثل ما قلناه في البيت والطواف.
قوله تعالى: {يوْمئِذٍ تُعْرضُون} العرض عبارة عن المحاسبة والمساءلة، شبه ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرف أحواله، ونظيره قوله: {وعُرِضُواْ على ربّك صفّا} [الكهف: 48] وروى: «أن في القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنثر الكتب فيأخذ السعيد كتابه بيمينه والهالك كتابه بشماله».
ثم قال: {لا تخفى مِنكُمْ خافِيةٌ} وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
في الآية وجهان الأول: تقرير الآية: تعرضون لا يخفى أمركم فإنه عالم بكل شيء، ولا يخفى عليه منكم خافية، ونظيره قوله: {لا يخفى على الله مِنْهُمْ شيْء} [غافر: 16] فيكون الغرض منه المبالغة في التهديد، يعني تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلا الوجه الثاني: المراد لا يخفى يوم القيامة ما كان مخفيا منكم في الدنيا، فإنه تظهر أحوال المؤمنين فيتكامل بذلك سرورهم، وتظهر أحوال أهل العذاب فيظهر بذلك حزنهم وفضيحتهم، وهو المراد من قوله: {يوْم تبلى السرائر فما لهُ مِن قُوّةٍ ولا ناصِرٍ} [الطارق: 9، 10] وفي هذا أعظم الزجر والوعيد وهو خوف الفضيحة.
المسألة الثانية:
قراءة العامة {لا تخفى} بالتاء المنقطة من فوقها، واختار أبو عبيدة الياء وهي قراءة حمزة، والكسائي قال: لأن الياء تجوز للذكر والأنثى والتاء لا تجوز إلا للأنثى، وهاهنا يجوز إسناد الفعل إلى المذكر وهو أن يكون المراد بالخافية شيء ذو خفاء.
وأيضا فقد وقع الفصل هاهنا بين الاسم والفعل بقوله: منكم. اهـ.